الخميس، 14 مارس 2019

هذا المقال من قسم :

الأذكياء ليسوا سُعداء، ما السبب؟


للسعادة ثلاث مكونات أساسية، عندما يشبعها الفرد يكون قد حقق مفهوم السعادة وفقاً للأدبيات الأكاديمية. هذه المكونات هي: وجود علاقات إجتماعية ذات معنى، وجود عمل ملائم يقضي الإنسان فيه يومه، وأخيراً حصول المرء على حرية إتخاذ قرارات حياته بشكل مُستقل.

لكن المزيد من الابحاث حول ماهية "السعادة"، كشفت عن أشياء أقل وضوحاً بالنسبة لنا، وهي أن الإنسان إذا حصل على تعليم أفضل، أو كان أكثر ثراءً، أو قام بإنجازات أكبر، فلن يعني ذلك بأي حال من الأحوال حصول المرء على السعادة، بل على العكس قد يكون أقل رضاً عن حياته.

هذه النتائج هي اللغز الذي يحاول "راج راجوناثان"، أستاذ التسويق بكلية "ماكومز" للأعمال بجامعة "تكساس" الإجابة عنه في كتابه الأخير " إذا كنت ذكياً جداً، لماذا تكون غير سعيد؟".
تندرج كتابات "راجوناثان" تحت فئة المُساعدة الذاتية (تضم محادثات حماسية، وأوراق العمل التي تحتاجها في طريقك للتطور)، التزامه بالبحث العلمي يُمثل ثقل، وصبغة جادة لهذا النوع الأكثر غموضاً من الموضوعات. إليك حديثاً مُكثفاً مع كاتب المقالة الأصلية "جو بينسكر"، و"راجوناثان" حول كتابه في البحث عن مفهوم السعادة، وسبب شقاء الأذكياء من وجهة نظره. "جو بنسكر": أحد مقدمات كتابك هو أن الناس يستشعرون الأشياء التي تجعلهم سعداء، لكنهم يقتربون من هذه الأمور بطُرق لا تزيد من سعادتهم إلى الحد الأقصى. هل يمكن تقديم مثال على هذا الانفصال؟. "راج راجوناثان": إذا تحدثنا عن حاجة الإنسان إلى الإتقان أو الكفاءة - فهناك نهجان عريضان يمكن للمرء أن يتخذهما ليصبح بارعاً في شيء ما. النهج الأول هو الانخراط في ما يطلق عليه الناس "المقارنات الاجتماعية"، الرغبة في أن تكون الأفضل في القيام بشيء ما: "أريد أن أكون أفضل أستاذ هناك"، أو شيء من هذا القبيل. هناك العديد من المشاكل المحيطة بهذه الطريقة في التفكير، لكن المشكلة الأكبر هي صعوبة التقييم . فما هي المعايير التي تحكم على شخص ما على بعد معين؟. ما هي المقاييس لكونه أفضل أستاذ؟. هل هي قدرته البحث والتدريس؟. حتى لو أخذنا التدريس فقط كمعيار، فهل تقييمات الطلاب للأستاذ التي تمنحه الأفضلية، أم هو المحتوى الذي يقدمه في الفصل، أم عدد الطلاب الذين يجتازون الإمتحانات بكفاءة؟. لذا يصبح من الصعب جداً الحكم، لأن هذه المعايير تزداد غموضاً كلما كان المجال أضيق، أو أكثر تقنية. إذاً فما يحدث بشكل عام هو أن الناس يميلون إلى الانجذاب نحو المقاييس ذات الغموض الأقل - حتى لو لم تكن مناسبة -. يحكم الناس على أفضل الأساتذة من خلال عدد الجوائز التي يحصلون عليها، أو الراتب الذي يحصلون عليه، أو نوع المدرسة التي يعملون بها، وهذه المقاييس قد تبدو في ظاهرها جيدة للحكم على مدى جودة شخص ما، لكنها في نفس الوقت لا تتعلق بمجال التقييم. لكن هذه المقاييس هي التي نستطيع أن نتكيف معها بسرعة. لذلك إذا حصلت على زيادة ضخمة في الراتب هذا الشهر، فقد تكون سعيدًا لمدة شهر أو شهرين أو ربما ستة أشهر. لكن بعد ذلك، سوف تعتاد على ذلك، وستحتاج إلى حافز كبير آخر من أجل الحفاظ على مستويات السعادة الخاصة بك. في معظم الناس، يمكنك أن ترى أن هذا الأمر ليس مصدرًا دائمًا للسعادة. "بنسكر": وما هي الطريقة الأخر؟ "راجوناثان": ما اوصي به هو طريقة أخرى في التعامل، وهي أن تصبح واعياً ولو قليلاً بالأشياء التي تجيدها، والتي تستمتع بها.
عندما لا تحتاج إلى مقارنة نفسك بالآخرين، فسوف تنجذب نحو الأشياء التي تستمتع بها بشكل غريزي، وستكون على ما يرام، وإذا ركزت على ذلك فقط لفترة زمنية كافية، فستكون الفرص عالية جدًا لتتقدم نحو التفوق، والشهرة، والقوة، والمال. كل شيء سيأتي كنتيجة ثانوية، بدلاً من محاولة التفوق على الآخرين وملاحقتهم. إذا عُدنا إلى الأشياء الثلاثة ألاساسية التي يحتاجها الناس للحصول على السعادة - الإتقان، والانتماء، والاستقلالية - سأضيف عليها شيئاً رابعًا، بعد تلبية الضروريات الأساسية. وهو الموقف أو النظرة للحياة. وتتراوح هذه النظرة للتبسيط، بين اثنين من الإتجاهات: أولاً النظرة المتطرفة وهي نوع من "الندرة" في نهج التفكير، وتتلخص في أن فوزك سوف يأتي من خسارة شخص آخر، مما يجعلك تشارك في المقارنات الاجتماعية. بينما الرأي الآخر هو ما أسميه النهج الأكثر "غزارة"، ومشاركة إجتماعية، حيث يكون هناك مجال للجميع للنمو من خلاله. "بنسكر": اهتممت كثيراً بالخط الذي ترسمه في الكتاب بين الغزارة، والندرة، لأن هذا يجعلني أفكر في الاقتصاد على الفور: الاقتصاد هو، من نواح كثيرة ، دراسة الأشياء النادرة. هل يمكنك التحدث عن العمليات العقلية التي تتم عندما يفكر الناس بطريقة "الندرة"؟
"راجوناثان": أنا لا أحاول في الكتاب اثبات أن عقلية الندرة ضحلة أو عديمة الفائدة تماماً. فإذا ما كنت في منطقة حرب، أو منطقة تعاني من الفقر، أو تقاتل من أجل البقاء، أو تمارس رياضة تنافسية مثل الملاكمة، فإن هذه العقلية تلعب دوراً هاماً للغاية. البشر الموجودين حالياً هم نتاج أسلافهم الذين نجوا مُنذ فترات زمنية سحيقة، في تطورنا كأنواع، توَجَه العالم نحو الندرة. كان الغذاء نادراً، وكانت الموارد شحيحة، وكانت الأراضي الخصبة نادرة، وهكذا دواليك. لذلك لدينا ميل شديد لنتوجه نحو الندرة. ولكني أعتقد أن ما حدث مع مرور الوقت، لا نحتاجه من أجل بقائنا كل يوم.
أعتقد أننا ككائنات ذكية نحتاج إلى إدراك أن بعض بقايا نزعاتنا التطورية قد تعيقنا. إذا كنت في وكالة إعلانات، على سبيل المثال، أو في تصميم برامج، فهذه هي أنواع المجالات التي اثبتت الكثير من الدراسات، انك ستُبدع فيها إذا لم تضع نفسك تحت وطأة عقلية الندرة، حيث يجب ألا تقلق بشأن النتائج، وتستمتع بما تقوم به، بدلاً من التركيز على الهدف. بينسكر: بما أننا نميل للتفكير من منطلق النُدرة، فأنا مهتم جدًا بما يمكن فعله لحث شخص ما على التفكير بعقلية مختلفة. إحدى التجارب التي تحدثت عنها في الكتاب، ذكرت أن العمال الذين تلقوا بريدًا إلكترونيًا يوميًا لتذكيرهم باتخاذ القرارات التي تزيد من سعادتهم إلى الحد الأقصى، اصبحوا أكثر سعادة بشكل ملحوظ من أولئك الذين لم يتلقوا البريد الإلكتروني. هل حقاً الأمور بسيطة كمثل هذا النوع من الأشياء؟
راجوناثان: نحن نميل تلقائياً للتركيز بشكل أكبر على الأمور السلبية. لكننا في الوقت نفسه، نميل للبحث بقوة عن إحساس السعادة والرغبة في الازدهار، وأن نكون أفضل مما نحن عليه. في النهاية، ما نحتاجه لكي نكون سعداء هي أشياء بسيطة جدًا. يتطلب الأمر القيام بشيء ذو معنى بالنسبة إليك. وأن تقوم به يومياً. عندما تراقب الأطفال، ستجدهم بارعين في هذا الأمر. لا يشتت انتباههم كل المقاييس الخارجية تلك. يذهبون للأشياء التي تجلب لهم الكثير من المتعة بغض النظر عن آراء الناس ومقاييسهم للسعادة. تحدثت في كتابي عندما حصل ابني على سيارته الميكانيكية الصغيرة، عندما كان عمره 3 سنوات، لأنه رأى أحد الجيران لديه تلك السيارة. ظل في السيارة لمدة ثلاثة أيام. بعد ذلك أراد اللعب بالصندوق الذي جاءت فيه السيارة. كان مجرد صندوق. لكنه لم يكن لديه أي فكرة عن أن تكلفة السيارة أكثر، أو انها أكثر قيمة، أو أنها مُتقدمة من الناحية التكنولوجية. أراد الصندوق فقط، لأنه رأى شخصية في برنامج تلفزيوني تُدعى "هاملتون"، ذلك الخنزير الذي يعيش داخل صندوق. أراد أن يعيش هذه التجربة بنفسه.
بينسكر: لقد ذكرت في وقت سابق مدى سهولة تكيف الناس مع التغييرات الإيجابية التي تحدث في حياتهم، واطلعت كذلك على البحث الذي يُظهر أن الفائزين باليانصيب ليسوا أكثر سعادة بعد عام من فوزهم، مقارنةً بالأشخاص الذين عانوا من إصابات خطيرة. هذا يذكرني بمثال شخصي: فلو أخبرتني وأنا في المدرسة الثانوية أنني سأكتب لمجلة، كنت سأشعر بسعادة غامرة. لكن الآن، أنا سعيد بعدة طرق، لكن لا يزال لدي الكثير من عدم الإحساس بالأمان، ومخاوف بشأن المستقبل. أفترض أن هذا الشعور بسبب تجارب الآخرين. هل يمكنك التحدث عن ما هو ضروري لتوجيه نفسك بعيداً عن طريقة التفكير هذه؟ راجوناثان: هذه هي محنة معظم الناس في العالم. فهناك توقعات بأنك إذا حققت شيئًا معينًا، فستكون سعيدًا. لكن يتتضح مع مرور الوقت أن هذا ليس صحيحًا. وجزء كبير من أسباب ذلك يعود إلى التكيف، ولكن جزء كبير منه أيضًا بسبب أنك ترى هذا الجبل أمامك وتريد تسلقه. وعندما تفعل ذلك، يتبين أن أمامك المزيد من الجبال لتسلقها.
الشيء الوحيد الذي ساعدني حقاً في هذا الصدد هو المفهوم الذي أسميه في الكتاب "السعي الحثيث للشغف"، وأساس هذا المفهوم هو عدم ربط سعادتك الشخصية بتحقيق النتائج. السبب الذي يجعل من المهم عدم ربط السعادة بالنتائج هو أن النتائج بحد ذاتها مع مرور الوقت لن يكون لها تأثير إيجابي أو سلبي على سعادتك. مثلاً ذلك الانفصال الذي حدث مع صديقتك في طفولتك، أو كسر ذراعك، أو عندما كنت في سرير المستشفى لمدة شهرين، عندما حدثت هذه الأمور ربما قُلت، "هذه هي نهاية العالم! أو "لن أتعافى من ذلك". لكن بالتأكيد اتضح لك أن البشر جيدون جداً في التعافي، وليس ذلك فحسب ، ولكن تلك الأحداث ذاتها التي كنا نظن أنها سلبية للغاية كانت في الواقع محورية في جعلنا ننمو،ونتعلم.
كل الناس لديهم إحساس إما بالتفاؤل أو التشاؤم. لا توجد وسيلة لإثبات علميا أن أحد صحة هذه الأحاسيس أكثر دقة من الآخر. ولكن إذا كنت تعتقد أن الحياة جميلة، فسوف تشاهد الكثير من الأدلة علي ذلك. كذلك إذا اعتقدت أنها مكان سيء، فستشاهد أيضاً الكثير من الأدلة على ذلك. الأمر مثل تأثير الدواء الوهمي. بالنظر إلى أن فُرص حدوث الأمرين متساوية، فلماذا لا تتبنى طريقة التفكير الأكثر فائدة لك في حياتك؟

0 التعليقات:

إرسال تعليق